صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب الجغرافيا السياسية لكوكب مختلّ: صدمة الأنثروبوسين Géopolitique d’une planète déréglée: Le choc de l’Anthropocène ضمن سلسلة ترجمان من تأليف جان ميشيل فالانتان.
يدعو الكتاب إلى إعادة التفكير جذريًا في الطريقة التي نقرأ بها العالم. فالعصر الذي دخلناه لم يعد مجرد مرحلة جديدة من تغيّر المناخ، بل حقبة من الاضطراب الجيوسياسي العميق؛ إذ تحوّلت الأنشطة البشرية إلى قوة جيولوجية تعيد صياغة توازنات الكوكب. ويذهب المؤلف إلى أنّ الجغرافيا السياسية التقليدية - بمحاورها المعهودة حول السيطرة على الأراضي والموارد الأحفورية - لم تعد كافية لفهم ما يجري؛ إذ تتشكّل اليوم جغرافيا سياسية جديدة يولّدها المناخ، وتفرضها البيئة، ويضاعفها الضغط السكاني والتكنولوجي.
إعادة تعريف الجغرافيا السياسية في عصر الإنسان
يرى فالانتان أنّ التحوّلات البيئية الكبرى - مثل ذوبان الجليد، وارتفاع البحار، وتغيّر المناطق البيئية، واستنزاف الموارد الطبيعية، واتساع الهجرات الجماعية، وتفاقم الأزمات البيولوجية - لم تعد عناصر ثانوية في صنع القرار الدولي، بل أصبحت محركات أساسية للصراع ورسم موازين القوى. وعلى هذا الأساس، يبرز المؤلف "الروابط الخطيرة" بين الاقتصاد والحرب والبيئة، موضحًا كيف تدفع ندرة الموارد القوى الكبرى إلى إعادة تموضعها في فضاءات استراتيجية جديدة مثل القطب الشمالي؛ لأن التغيّرات المناخية تفتح آفاقًا سياسية واقتصادية وعسكرية غير مسبوقة. في هذا السياق، تعيد القوى الكبرى، مثل روسيا والصين والولايات المتحدة الأميركية، تموضعها في هذا الجغرافيا السياسية الجديدة المضطربة، وكلها تطورات جارية بالفعل وليست مجرد سيناريوهات مستقبلية.
ويخلص فالانتان إلى أنّ البشرية تقف اليوم أمام خيار تاريخي: إمّا الاستمرار في منطق المواجهة والتنافس على كوكب يضيق بمحدودية موارده، أو الانتقال إلى استراتيجيات تعاونية تسمح بإدارة التحوّلات الكوكبية بطريقة أكثر توازنًا. ومن خلال هذا المنظور، يعيد الكتاب تعريف مفاهيم المخاطر والأمن والسلطة، ضمن إطار يأخذ النظم المناخية والجيولوجية في الحسبان، ويربط بين الدراسات الاستراتيجية وعلوم الأرض بطريقة غير مسبوقة.
وتنفرد هذه المقاربة بأنّها لا تُعامل التغير المناخي على أنه عامل خارجي أو ثانوي، بل بصفته متغيّرًا استراتيجيًا يعيد تشكيل بنية النظام الدولي. وبذلك يسهم فالانتان في تجديد الفكر الجيوسياسي الفرنكوفوني، ويدعو صانعي القرار إلى تبنّي فهم كوكبي شامل لمسائل السلطة والموارد والأمن والتحالفات.
راهنيّة الكتاب في زمن الاضطراب العالمي
تكمن أهمية هذا العمل في أنه يعيد تعريف مفهوم الجغرافيا السياسية ضمن سياق النظم المناخية والبيئية والكوكبية، وهي مجالات طالما دُرست بمعزل عن السياسة. فقد كان هذا العمل، عند صدوره عام 2017، من الدراسات الأولى التي ربطت التغير المناخي مباشرة بالبنية الأمنية العالمية. ومع تصاعد الظواهر المناخية القصوى، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد التنافس على الطاقة والمعادن النادرة، تبدو أطروحات فالانتان اليوم أكثر إلحاحًا وواقعية.
يقدّم الكتاب أيضًا مفاتيح تحليلية، تساعد على فهم تداخل الأزمات المعاصرة - من الجوائح إلى التحولات الطاقوية والهجرات - مع إعادة رسم نفوذ القوى الكبرى. ويحذّر المؤلف من أنّ بلوغ "النقاط البيئية الحرجة" قد يؤدي إلى تحولات جيوسياسية سريعة وعنيفة؛ ما يجعل التعاون الدولي شرطًا ضروريًا لتجنّب مزيد من الاضطراب العالمي.