صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب كيف يحكم الإسلام في إيران: الدين والحكم الديني في الجمهورية الإسلامية How Islam Rules in Iran: Theology and Theocracy in the Islamic Republic ضمن سلسلة ترجمان وهو من تأليف مِهران كامرافا.
يستعرض الكتاب تداخل الدين والسياسة في نظام الحكم الإيراني خلال الفترة التي تلت الثورة الإسلامية في إيران في عام 1979. ويوضح كيف يُستخدم مبدأ ولاية الفقيه لإضفاء الشرعية على السلطة، وكيف تُشكَّل القوانين والسياسات بناءً على التفسيرات الفقهية الدينية. ويتعمَّق في ذلك، من خلال تحليل واضح وسياق تاريخي مفصَّل؛ إذا يسعى لمساعدة القارئ والمهتم بالشؤون الإيرانية على فهم دور الإسلام في إدارة شؤون الدولة الإيرانية، ومدى تأثير ذلك في الداخل الإيراني، وفي العالم برمته.
العقيدة الدينية، السلطة، والحكم
يزودنا هذا الكتاب، في ظل الغموض والجدل المستمر المحيطَين بطبيعة الحكم في إيران، بدراسة تحليلية رصينة حول الإحاطة بكيفية استخدام العقيدة الدينية، ولا سيما مبدأ ولاية الفقيه، في بناء السلطة والحكم، وتفريخ أدواتهما، فضلًا عن إدارة المجتمع، وتوجيه السياسات الداخلية والخارجية، وبما يترتب عليه من تحديات تواجه النظام السياسي الإيراني داخليًا وخارجيًا.
وتأتي أهمية الكتاب من ربطه العميق بين الدين والسياسة معًا في العشرين سنة الأخيرة من حكم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الراحل علي خامنئي؛ ذلك أنّ الدراسات السياسية التي تناولت الحالة الإيرانية قليلة، وتركِّز في مجملها على الفترة التي تلت الثورة الإسلامية الإيرانية مباشرة. ونجم عن هذا التحليل العميق ابتكار مفهوم "الخامنئية"، في مساهمة فكرية ومعرفية جادة، على غرار "الخُمينية" وهو مفهوم أُدخل على الدراسات الإيرانية في الفترة التي تلت تولي آية الله الخميني منصب المرشد الأعلى في إيران.
ويتميز هذه الكتاب - خلافًا لما هو سائد في ما سواه من المصنَّفات المشابهة - بعمقه المنهجي؛ إذ لجأ المؤلف فيه إلى استخدام مصادر أولية مكتوبة بالفارسية، وترجم جلَّ النصوص والشواهد بنفسه، ولم يستند إلى دراسات مكتوبة بلغات أخرى أو مصادر ثانوية، إلا في ما ندر، مانحًا الكتاب دقة وعمقًا كبيرين. واعتمد في جانبه المنهجي الآخر على دراسة تحليلية لمقابلات وبحوث ميدانية أنتجتها مؤسسات إيرانية محلية؛ ما أضفى صدقية متفردة على دراسته.
ويبرز الكتاب بصورة لافتة العلاقة الشائكة بين المؤسسة الدينية (الفقهاء، والمرجعيات الدينية، والحوزات) والمؤسسات السياسية في إيران (الرئاسة، والبرلمان، والحرس الثوري)؛ إذ تمثّل هذه العلاقة نموذجًا فريدًا ومعقدًا لنظام "الحكم الديني السياسي" الذي يجمع بين المرجعية الدينية من جهة والحكم "المدني المعاصر" من جهة أخرى، وحدود السلطة الشرعية الدينية وأطرها، إضافةً إلى نماذج من الحكم الديني، والنهج المتبع في بناء الدول بعد الثورات، الدينية منها على وجه الخصوص.
إعادة التفكير في الجمهورية الإسلامية
يتتبع المؤلف في كتابه مسائل مختلفة مثل: تطور المفاهيم النظرية التي وجهت وما زالت توجه الحكومة الإسلامية في إيران ما بعد الثورة الإسلامية، مع تركيز كبير على العلاقة بين الدين والسياسة، والتحول المطرد في اتجاه الحكم الديني. ويستعرض بعد ذلك السياق التاريخي للمؤسسة الدينية، والدور الذي أدّته التركيبة الاجتماعية للمجتمع الإيراني، والبنية السياسية، بصفتهما حاضنتين صاغتا أسس نظام الحكم الإسلامي في إيران. ويتناول مسألة الفقه ومشاركته الفاعلة في الحكم، من خلال شخصية الخميني عالم الدين والفقيه والمنظِّر لولاية الفقيه نظامًا سياسيًا. ويناقش أيضًا بعد ذلك أدوات تعزيز الشرعية السياسية من خلال الحماية المجتمعية والإرشاد والتوجيه الدينيين. ليستعرض لاحقًا التحديات التي تواجه النظام الإيراني، ولا سيما مع بروز التيار الإصلاحي، وحجم التغيير الذي أحدثه هذا التيار في الخطابَين الديني والسياسي، وفي الإنتاجين الفكري والأدبي. ويتناول بإسهاب كذلك مسألتَي التنظير للديمقراطية الإسلامية والسلطة الشرعية ومحاولة خلق التوازن بين الشرعية الدينية (الإلهية) والشعبية (صناديق الانتخاب).
الخامنئية وولاية الفقيه
وخصص المؤلف الصفحات المتبقية من الكتاب للحديث عن الخامنئية والولاية المطلقة للفقيه، وحجم التطور الذي أحدثه خامنئي في مفاهيمها ليغدو محورًا للسلطة الدينية والسياسية، وبابًا للسلطوية الدينية. ويختتم عمله بمناقشة السيناريوهات المحتملة لمستقبل نظام الحكم في إيران في ظل التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهه.