صدر عن المركز العربي للأبحاث كتاب تدريس التنمية المستدامة: التحديات الأخلاقية والسياسية Sustainable Development Teaching: Ethical and Political Challengesضمن سلسلة ترجمان، وهو من تحرير كاترين فان بويك، وليف أوستمان، ويوهان أوهمان.
تُمكّن الترجمة العربية لهذا الكتاب القارئ العربي من الاطلاع على معالجة تربوية متعمقة لقضايا أصبحت في صميم عمل المعلم والمؤسسات التعليمية. فليس التغيّر المناخي، وأزمة الغذاء، والفقر، والتمدّن، وانعدام المساواة، وفقدان التنوع الحيوي، والهجرة من الموضوعات المعرفية التي يمكن تقديمها بوصفها حقائق مستقرة فحسب؛ إذ ترتبط كذلك بعدم اليقين، واختلاف القيم والمعايير، وتعارض المصالح، والحاجة إلى إصدار الأحكام وترتيب الأولويات وصنع القرارات في أوضاع معقدة. وقد بُني الكتاب على منطلق أساسي مؤداه أنّ تدريس التنمية المستدامة لا ينبغي أن يُختزل في نقل المعرفة أو تلقين مواقف محددة، بل ينبغي أن يُفهم بوصفه ممارسة تعليمية تتداخل فيها الأبعاد المعرفية والأخلاقية والسياسية.
يهدف الكتاب إلى دعم المعلمين في تطوير ممارساتهم وهوياتهم المهنية على نحو يساعدهم في التعامل مع خصوصية قضايا الاستدامة، ولا سيما القضايا التي توصف بأنها "مشكلات مستعصية"، حيث لا تكون الحقائق حاسمة، ولا الحلول نهائية، ولا القيم محلَّ اتفاق. وفي مواجهة هذه الطبيعة المعقدة، يدعو الكتاب إلى "تدريس تعدّدي" يتيح للطلاب فحص الأفكار والبدائل المختلفة ونقدها، من دون الانسياق إلى النسبية أو التعامل مع جميع الآراء على أنها متساوية في القيمة. ويستند الكتاب إلى منظور تربوي براغماتي تفاعلي متأثر بفكر جون ديوي، ويربط بين البحث التربوي والممارسة، محوِّلًا نتائج نظرية وتجريبية إلى نماذج ومناهج وأدوات قابلة للاستخدام في تدريب المعلمين وممارسات تعليم البيئة والاستدامة.
ينتظم الكتاب في ثلاثة أقسام مترابطة. يتناول أولها معنى الاستدامة وتعقيد التحول نحو مجتمعات أكثر استدامة، وما يفرضه ذلك من إعادة التفكير في التعليم والتعلّم. ويركز الثاني على اختيار أهداف التدريس ومحتواه ومنهجياته، وأثر هذه الاختيارات في ما يتعلمه الطلاب، وفي الطريقة التي يفهمون بها العالم ومكانتهم فيه. في حين ينتقل ثانيها إلى تصميم الممارسات التدريسية وتنفيذها؛ فيبحث في أثر اختيار المحتوى في إرشاد تعلّم الطلاب، وفي كيفية إدارة النقاشات الصفية والتعامل مع اختلاف القيم والآراء، وتوظيف المحاجّة وأنشطة القراءة والكتابة بطرائق تُعزز مشاركتهم، وتُمكّنهم من التعبير عن تجاربهم ومواقفهم وعواطفهم وقيمهم.
يبيّن هذا الكتاب كيف أنّ التدريس يمكنه تهيئة فرصٍ للطلاب في التعامل المسؤول والديمقراطي مع ما تثيره قضايا الاستدامة من اختلافات أخلاقية وسياسية، وأنه يمكن أن يدعم نموهم بوصفهم فاعلين قادرين على التفكير والنقاش والعمل بوعي ومسؤولية إزاء هذه القضايا. وتبرز قيمة الكتاب في جمعه بين إطار نظري متسق، ونتائج بحثية تجريبية، وخبرة عملية في التعليم، مع إبقاء منظور المعلم وممارسة التدريس في مركز الاهتمام. وهو بذلك يزوّد المعلمين بأُسس وأدوات تساعدهم على اتخاذ قرارات تربوية واعية في مواقف تتسم بالتعقيد والخلاف. ومن ثم، فهو يصلح مرجعًا في تدريب المعلمين قبل الشروع في تجاربهم التعليمية، وفي أثنائها أيضًا، ويصلح كذلك في تدريب أعضاء هيئة التدريس في مؤسسات التعليم العالي، وبرامج التنمية المهنية الخاصة بالمدربين والأفراد العاملين في منظمات تعليم البيئة والاستدامة.